الاتحاد الأوروبي سيفرض ضريبة على الخدمات الرقمية الأمريكية
تبدو عملية التعبير من خلال الوسيط المرئي مثل الرسم، أو الوسيط ثلاثي الأبعاد مثل النحت، من أهم أشكال الفن التشكيلي السائدة عبر الزمن، بما تحققه من استثارة للحواس، وتفعيل الخيال البشري، وكذلك من فكفكة للقناعات، وتذويب لتحجر الوعي.
وساهم الفن التشكيلي في تقدم العقل البشري الجمعي، خلال قرون طويلة، بقدرته الفائقة على محاكاة الوعي الإنساني، وتبديل الفرضيات حول الطبيعة والعالم، واحتمالات الوجود والمستقبل في هذا العالم.
إن القيمة الجمالية هذه، تفتح للحياة البشرية مساحة الإمساك بالمعنى، وتصور نمطا جديدا لسير الأفكار.
وفي صراع الإنسان مع القناعات والتناقضات والتفاصيل، يحتاج المرء إلى مشهد آخر دوما، مغاير لما هو في الواقع، يمنحه فرصة أخرى لفهم الحياة، فالخيال لا يمكن فصله عن الواقع، الذي هو جذر أساسي في التخييل، حيث يقول بابلو بيكاسو: "كل ما تستطيع أن تتخيله، هو حقيقي".
ولا يمكن تحديد مفهوم واضح للفن التشكيلي، إنما، يمكن الإمساك بعنصر الجذب الذي تحدثه اللوحة أو المنحوتة، والعلاقة التي تتفعل بينهما وبين المرء، بما في ذلك اتخاذ الحواس طريقا آخر، لحظة تأمل اللون في اللوحة.
وتعددت أشكال الفن البصرية على مر العصور مثل الرسم، والنحت، وفن الزجاج، والزخرفة، وفن الخزف، والفوتوغرافيا، والرسوم المتحركة، وغيرها.
وفي القرن العشرين انطلقت أشكال جديدة، منها الكولاج، وأعمال الحفر، والفيديو آرت، والتجميع والتركيب، ولا يزال المدى يحتمل الجديد، بفضل اتساع المعرفة، وانفتاح العالم تكنولوجيًا، فأثرت الثورة الرقمية على الفن التشكيلي العالمي، وفتحت مساحات أخرى للتجريب.
الفن والبيئة
ولا يمكن فصل الفن التشكيلي عن الزمن الذي تواجد فيه ولا المكان الذي نشأ من خلاله؛ فأشكال الفن المختلفة، اتخذت من قبل علماء الحفر والتنقيب، في تحديد مدى تطور الشعوب القديمة، ومنسوب التحضر لديهم، وعرفت الشعوب من خلال الرسم على الجدران، ومن خلال المنحوتات الخالدة.
وكان رسم الكهوف في العصر الحجري دليلا على سعي الإنسان منذ البداية للتوثيق، والحضارة بأجمل معانيها، كما ظهرت ثيمات مختلفة للشعوب والقبائل، مثل الفن القبلي، والفن الأفريقي البدائي، وبرزت لوحات مايكل أنجلو، في القرن السادس عشر.
وإن معظم أشكال الفن تظهر كأدوات للنقد الاجتماعي، والتوصيف السياسي للمجموعات، ودوما تنتج في حالة صراع وحراك شعبي متنام.
نهر واحد
ومع اختلاف الأدوات والأساليب الفنية، فإن الفعل الثقافي الناتج عن ممارسة الفن، يتخذ طريقا واحدا، عبر محاكاة العقل ورتق ثغراته، فلا يختلف فن الرسم الغربي المعاصر، عن فن طي الورق الياباني، وعلى الرغم من الفارق الشاسع في الثقافة والمفاهيم، إلا أن كلتا الحالتين، تصبان في النهر نفسه.
مدارس
أدى ظهور العديد من الحركات والمدارس الفنية في القرنين، الثامن عشر، والتاسع عشر، إلى إطلاق الحرية الفكرية للفنانين، وزيادة حركة التغيير في النمط الفني المتعارف عليه عالميا، فظهرت مدارس مثل: الدادائية، والسريالية، والمفاهيمية، والتكعيبية، والتجريدية الحديثة، والانطباعية، والتعبيرية، إضافة إلى العديد من الأساليب الواقعية، مثل الواقعية الاجتماعية والاشتراكية.. وهذا كله ظهر بفعل الصراعات السياسية في العصور الوسطى وما بعدها، ومهما اختلفت العصور بقي العديد من الفنانين أيقونات في التعبير الفني ومنهم فان كوخ، وبيكاسو، ورامبريت.
تجارة
ومما لا شك فيه، أنه وبعد الحرب العالمية الثانية 1942، طال الفنَّ تحول تاريخي، بنقل عصمة الفن العالمية من باريس إلى نيويورك، فمن وقتها صار الفن يحمل الجانب الاقتصادي بشكل كبير، ودخلت الفكرة التجارية على مسار الفن.
وانتقل الفن إلى منطقة أكثر ملامسة للشعبوية بهدف جذب الجمهور، وزاد الاهتمام بإقامة ساحات العرض، والمعارض الفنية التشكيلية، وقد برز في هذا الإطار الفنانان آندي وآرهول.
وتحت تأثير هذا التوجه الأمريكي، اتجه الفنانون إلى تقديم أشكال جديدة، مثل التعبير الفني بالأدوات والتجميع، "installation"، وفن الفيديو، واللوحات التعبيرية التي تستهدف الحالة الإنسانية الداخلية، بتركيز اللون والخطوط على وجه الإنسان، أو حركة من جسده، بشكل تعبيري، يفسر الإنسان ويكتشف قضاياه المعاصرة.
كما أدى ظهور حركة ما بعد الحداثة الفنية العالمية في العصر الحديث إلى تغيير مفهوم الفن البصري العالمي، بحيث أصبح المعنى جزءا هاما من تشكيل اللوحة، وصار على الفنان الالتفات إلى المزيد من العناصر من أجل تصدير لوحته لمقام الجمالية، فظهرت أدوات جديدة للربط ما بين عناصر اللوحة، حتى يتحقق المعنى والدلالة التي يتناولها الفنان التشكيلي، عن طريق الإيحاء والجذب البصري.
وظهر في هذا الإطار داميان هيرست، وجيلبرت، وعالميا العديد من المزارات الفنية ومن أهمها: معرض أوفيزي (فلورنسا)، ومتحف اللوفر (باريس)، ومتحف برادو (مدريد)، ومعرض بيناكوتيك (ميونيخ) ومعرض تيت (ليفربول وسانت آيفز)، والمعرض الوطني (لندن)، وGemaldegalerie (برلين)، ومتحف هيرميتاج (سان بطرسبرج)، ومتحف متروبوليتان وغوغنهايم (نيويورك)، والمعرض الوطني (واشنطن).
تصميم
ومع التطور الحضاري، ظهرت للفن أشكال جديدة بُنيت على التراكم الثقافي للفن عبر الزمن، فنشأ الفن التطبيقي، وصار الأكثر استخداما في العصر الحديث في الشركات والمنازل العصرية، حيث ازداد الدمج بين أدوات الفن والمنشأة التجارية أو المنزل، بحيث تعطي للمكان الخيال المدهش، ويتم تطبيقه من خلال المواد الخام والعمال ذوي المهارة، وهو ما زاد من قيمة فن الديكور والتصميم الداخلي، خلال الآونة الأخيرة، بحيث تحول الفنان إلى المنطقة التجارية، وهو ما يساعده على كسب المال والعيش من خلال مردود أعماله.
إن استخدام الأكريليك في صياغة شكل جديد للعالم، أو الطباشير، أو أصابع الفحم، أو التصميم والرسم الإلكتروني، أو التشكيل بالطين، أو حتى التصميم التطبيقي الحديث كلها وسائل تسهم في زيادة إدراك الإنسان لحركة الأحداث في الماضي، والحاضر، وتوقعها في المستقبل القريب، ومهما اختلفت مفاهيم وتعريفات الفن البصري، فإن الشيء المتفق عليه في هذا الإطار هو المردود الجمالي الذي يتحقق بفعل تجربة الفنان.