تكررت دعوات المجلس الرئاسي الليبي لتطبيق "الحل الفيدرالي" كوسيلة لإخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي؛ ما أثار ردود فعل متباينة بين مرحّب بشروط، ومحذّر من إعادة إنتاج الأزمة في شكل جديد.
وجدد نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، موسى الكوني، الحديث عن الأقاليم الثلاثة وعودة العمل بنظام المحافظات كسلطة تنفيذية في البلاد، وذلك خلال اجتماع مع رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عماد السايح، وآمر المنطقة العسكرية بالساحل الغربي، الفريق صلاح الدين النمروش.
وتنص رؤية المجلس على إعادة العمل بنظام المحافظات، نظرا لسهولة متابعتها وضمان حصول جميع المناطق والمكوّنات الليبية على حقوقها من الميزانيات لإدارة مشاريعها؛ ما يخفف الأعباء عن الحكومة المركزية، التي ستتفرغ لأدوارها السيادية.
ويُفترض أن يضمن النظام الفيدرالي في ليبيا الحكم المحلي لأقاليم البلاد الثلاثة: طرابلس وفزان وبرقة، مع تحقيق تقاسم عادل للسلطة والثروة. ويرى البعض أن هذا النظام قد يسهم في تحقيق الاستقرار، كما كان الحال خلال حقبة الحكم الملكي بين عامي 1951 و1969.
وسبق أن تحدّث الكوني، يوم الأحد، عن ضرورة العمل بنظام الأقاليم الثلاثة بمؤسسات تشريعية مستقلة، وذلك خلال لقائه السفير البريطاني لدى ليبيا، مارتن لونغدن، وهو ما أثار جدلا واسعا بين السياسيين الليبيين، نظرا لارتباط هذا الطرح بتاريخ ما بعد 2011.
في هذا السياق، يطرح المحلل السياسي الليبي، محمد امطيريد، تساؤلات حول كيفية تطبيق نظام الأقاليم الثلاثة ومدى شفافيته وعدالته، مؤكدا أنه لا ينبغي اختزاله كخيار إداري فقط.
ويقول امطيريد، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن "الفيدرالية أو الحكم الإقليمي في حد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون نموذجا ناجحا إذا تم تطبيقه على أسس ديمقراطية شفافة، تضمن مشاركة المجتمع في اختيار من يحكمه، وتمنع احتكار السلطة والثروة من قبل فئة قليلة".
إلا أن المخاوف الحقيقية، وفق الباحث السياسي، تكمن في أن يُستغل هذا النموذج كغطاء لإعادة توزيع النفوذ بدلًا من تحقيق التوازن التنموي، حيث تتحول الأقاليم إلى ساحات مغلقة تديرها شبكات مصالح اقتصادية وسياسية دون رقابة فعلية؛ ما يمنح بارونات المال والسلطة إمكانية التحكم في العوائد المالية بعيدا عن إرادة الشعب.
ويضيف: "أي توجه نحو اللامركزية أو الفيدرالية يجب أن يكون جزءا من رؤية وطنية متكاملة، تضمن حرية الاختيار، والشفافية في إدارة الموارد، وإخضاع كل سلطة محلية لمحاسبة حقيقية، وإلا فإن الأمر لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة في شكل جديد".
من جانبه، يرى المحلل السياسي، محمد الصريط، أن الخلاف في ليبيا منذ 2011 لا يدور حول صراع اجتماعي، بل حول من يحكم البلاد.
ويقول الصريط لـ"إرم نيوز" إن "الإشكاليات الحاصلة اليوم تتمحور حول تغير التحالفات بين مختلف الأطراف، حيث تسير كل مجموعة وفق مشروعها الخاص، لكن هذه المشاريع تسير في خطين متوازيين لا يلتقيان".
في المقابل، يعبّر رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار في ليبيا، سلامة الغويل، عن رفضه القاطع للمقترحات التي تروج لنظام الأقاليم الثلاثة وإنشاء مجالس تشريعية مستقلة لكل إقليم، معتبرا أن هذه المقترحات تهدف إلى تقسيم السلطة التشريعية.
وحذر الغويل من أن أي محاولة لإنشاء سلطات تشريعية إقليمية ستؤدي إلى تشتيت القرار الوطني وفتح المجال أمام سيناريوهات تقسيمية.
وكتب الغويل على حسابه الرسمي في "فيسبوك"، مساء الاثنين، أن النقاش حول تطوير الإدارة المحلية وتوزيع الموارد بعدالة هو أمر مشروع، لكنه شدد على أن "التشريع هو أساس وحدة الدولة، وتقسيمه جغرافيًا سيؤدي إلى تقويض هذه الوحدة".
وأوضح أن "التمثيل البرلماني الشامل لجميع المناطق والمكوّنات داخل مجلس تشريعي موحد هو الأساس للحفاظ على وحدة القرار الوطني".
وأشار إلى أنه "إذا كان هدف مقترح الكوني هو تحسين مستوى الإدارة، فإن الحل يكمن في دعم الحكم المحلي، وتعزيز الصلاحيات الإدارية للبلديات، وتحقيق توزيع عادل للموارد، وليس تقسيم الدولة إلى كيانات تشريعية مستقلة".
وشدد الغويل على ضرورة أن تكون "المؤسسات الوطنية جامعة لكل الليبيين، لا أداة لتغذية النزعات الانفصالية أو السماح بالتدخلات الخارجية".
وكان موسى الكوني قد صرّح، في أكتوبر/ تشرين أول 2023، بأن "المركزية أرهقت العاصمة طرابلس وأسهمت في حالة الانسداد السياسي الحالي"، مشددا على ضرورة العودة إلى نظام المحافظات المتبع قبل عام 1969، للحد من النزاعات على السلطة.