إعلام فلسطيني: جرحى في قصف مسيرة إسرائيلية منزلا وسط خان يونس جنوبي قطاع غزة
لم يواجه ائتلاف ألماني من قبل تحديات كتلك التي واجهها ائتلاف "إشارة المرور"، منذ تشكله قبل نحو أربع سنوات، لدرجة تبدو معها الأزمة السياسية الحالية التي تعاني منها "نتيجة منطقية"للمقدمات الصعبة.
الائتلاف المكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي ينتمي له المستشار أولاف شولتس، وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) باشر مهامه بأزمة جائحة كورونا وما فرضتها من تحديات.
ولم يكد يصحو من صدمة "كورونا"، حتى فوجئ الائتلاف "الهش"، كما يوصف، بالحرب الروسية في أوكرانيا، التي كانت لها انعكاسات "مدمرة"، إذ أفقدت ألمانيا إمدادات الغاز والنفط الروسية "الرخيصة"، وهو ما تسبب في أزمة طاقة غير مسبوقة وسط موجة سخط من الألمان الذين عانوا من ارتفاع التضخم، وتراجع مستوى "الرفاهية الألمانية" التقليدي.
وكان من الطبيعي، وسط هذه الأجواء الضاغطة، أن تتوسع هوة الخلافات بين أقطاب الائتلاف الحاكم وأن تتباين الرؤى حيال قضايا عدة شملت مسألة الإعانات والمعاشات التقاعدية، والديون، وسياسة اللجوء والهجرة، والمساعدات المالية والتسليحية لكييف والتسليح الضروري للجيش الألماني.
وفي حين يصر الاشتراكيون الديموقراطيون بزعامة شولتس على عدم التراجع عن القضايا الاجتماعية، يحاول حزب الخضر بزعامة نائب المستشار روبرت هابيك إنقاذ أجندته البيئية، بينما يطالب الليبراليون بسياسات مؤيدة للشركات وتخفيف القوانين والإجراءات الإدارية، ويصرون على المسؤولية الشخصية للمواطنين وأن على الدولة التدخل فقط في الحالات الاستثنائية.
المال جوهر الخلاف
ورغم تشعب القضايا الخلافية غير أن جوهر الخلافات تتمثل في المشكلة المالية، فالحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وقفا معًا ضد توجهات الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) وهو ما تسبب أخيرًا في إقالة وزير المالية كريستيان ليندنر، زعيم الحزب الأخير، وسرعان ما غادر الوزراء الثلاثة الآخرون للنقل والعدل والتعليم من الحزب ذاته، الحكومة طواعية.
وقال شولتس إنه أقال ليندنر بسبب توجهه في مناقشات تشريع الميزانية، واتهم الوزير بتقديم الحزب على الوطن وبعرقلة التشريع على أسس زائفة.
وبهذه الإقالة فإن الائتلاف الحاكم انهار عمليًا، وفقًا لقراءة خبراء، وهو ما يعني أن شولتس سيرأس حكومة أقلية من حزبه وحزب الخضر ويمهد الطريق لإجراء انتخابات مبكرة، وسط مخاوف من فوضى سياسية في أكبر اقتصاد في أوروبا.
ويأتي انهيار الائتلاف الثلاثي الذي يتزعمه شولتس في ختام سجالات ومشاحنات دامت شهورًا بشأن سياسة الميزانية وتوجه ألمانيا الاقتصادي، مع انخفاض شعبية الحكومة وصعود القوى المتطرفة من تياري اليمين واليسار.
ويخطط شولتس لإجراء تصويت برلماني على الثقة في حكومته في 15 يناير/ كانون الثاني، ووفقًا لنتائج هذا التصويت المحتمل سيتقرر ما إذا كانت ألمانيا ستجري انتخابات مبكرة بحلول نهاية مارس/ آذار، أي قبل نحو ستة أشهر من موعدها المعتاد في خريف 2025.
الاقتصاد لا ينتظر
وفي خضم هذه الأزمة السياسية، سعى شولتس إلى الاستنجاد بالمعارضة، عبر اعتزامه التواصل مع زعيمها فريدريش ميرتس من الحزب الديمقراطي المسيحي (حزب المستشارة السابقة أنجيلا ميركل) للبحث عن حلول مشتركة سريعة تهدف إلى تعزيز الاقتصاد والأمن.
وبرر شولتس خطوته التقرب نحو المعارضة قائلًا إن الاقتصاد لا يمكنه الانتظار حتى إجراء انتخابات جديدة، مضيفًا "نحن الآن بحاجة إلى الوضوح بشأن كيفية تمويل أمننا ودفاعنا بشكل قوي في السنوات القادمة دون تعريض تماسك البلاد للخطر".
يذكر أن الحزب الديمقراطي المسيحي يشكل مع شقيقه الأصغر الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري ما يعرف بالاتحاد المسيحي الذي يتزعم المعارضة في ألمانيا، وكان قد أدار البلاد لثلاث دورات تشريعية متتالية بقيادة ميركل التي نجحت، بحسب غالبية التحليلات، في قيادة بلادها نحو بر الأمان وسط عواصف هائجة.
أسوأ توقيت
يأتي هذا الزلزال السياسي الجديد، بحسب وصف خبراء، في أسوأ توقيت ممكن لبرلين، إذ إنّ القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا تعاني حاليًا من أزمة صناعية خطيرة، وتتوجس من تداعيات فوز الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ويرجح مراقبون أن يكون لهذا الفوز تأثير على التجارة الاوروبية والألمانية بصورة خاصة، في وقت تسعى فيه القارة العجوز لتشكيل جبهة موحدة بشأن قضايا تتراوح من الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة المحتملة إلى حرب روسيا في أوكرانيا، ومستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو".
يضاف إلى ذلك مواجهة فرنسا أيضًا حالة من عدم اليقين السياسي بعد الانتخابات المبكرة هذا العام، وهو ما قد يفاقم الاضطرابات في أكبر اقتصادين في الاتحاد الأوروبي ويعيق الجهود الرامية إلى تعميق تكامل التكتل.
جائزة لـ"التطرف"
ولا ينبغي إغفال حقيقة أن هذه الأزمة السياسية الألمانية تمثل جائزة للأحزاب المتطرفة يمينًا ويسارًا، ولا سيما حزب "البديل من أجل ألمانيا"، اليميني.
ويرى خبراء أن هذه الخلافات في الائتلاف الحاكم ستؤجج على الأرجح حالة السخط تجاه الأحزاب الرئيسية التقليدية في ألمانيا لصالح الحركات الشعبوية الأحدث.
وكان حزب البديل قد حقق، بالفعل، فوزًا تاريخيًا في انتخابات محلية جرت في شرق ألمانيا في سبتمبر/ أيلول الفائت.
ويخشى متابعون للشأن الألماني من أن تغير أي انتخابات مقبلة الوجه السياسي لألمانيا عبر تصدر الأحزاب المتطرفة للمشهد السياسي، مع ما يعني ذلك من تداعيات وخيمة على قيم الاختلاف والحوار والتعايش والديمقراطية.