الخارجية التركية: على إسرائيل التوقف عن تقويض الجهود الرامية إلى إرساء الاستقرار في سوريا
تحرص موسكو منذ سقوط نظام حليفها السابق بشار الأسد، على بث رسائل إيجابية إلى الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة "هيئة تحرير الشام" التي يتزعمها أحمد الشرع.
ومنذ نحو شهر ونصف الشهر، يوم هروب بشار الأسد إلى روسيا، تناوب العديد من المسؤولين الروس على إرسال إشارات الود والغزل إلى دمشق الجديدة، في توجه يرى العديد من المراقبين أن أهدافه بيّنة ومكشوفة، وتتمثل في الحفاظ بشكل رئيس على قواعد روسيا العسكرية في كلٍّ من قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري.
لكنَّ كثيرين يغفلون عن هدف اقتصادي، قد يكون موازيًا في أهميته _ إن لم يكن الأكثر أهمية _ في حسابات روسيا السورية، وهو الحفاظ على العقود العديدة والضخمة الموقعة مع نظام الأسد المخلوع، وخاصة تلك التي تختص باستثمارات النفط والغاز والفوسفات.
غزل و"منعطف نوعي"
في الأمس، كانت آخر التصريحات الروسية، عبر مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، الذي قال إن "العلاقات بين روسيا الاتحادية وسوريا تدخل اليوم في منعطف نوعي جديد"، مضيفًا أنه على "الجانبين الانطلاق من الإرث العميق للصداقة بين الشعبين الروسي والسوري للحفاظ على المكتسبات والمنجزات والمضي إلى الأمام في خلق مناخات جديدة للتعاون البنّاء".
وذكر بوغدانوف، في تصريحات لقناة "روسيا اليوم"، أن روسيا تتابع باهتمام تطورات الوضع في سوريا، وتنظر إلى العلاقات مع دمشق باعتبارها من أولويات سياستها الخارجية. وأضاف بوغدانوف أن "علاقات الشراكة والتعاون بين الشعبين والدولتين تمتد إلى عقود طويلة، بل إنها تغور عميقًا في التاريخ السحيق".
وأردف: "موسكو السوفيتية ومن ثم روسيا أسدت الدعم والمساعدة لسوريا في تحقيق السيادة والاستقلال، وحرصت دومًا وفي مختلف المراحل على مبدأ وحدة وسيادة الأراضي السورية وبناء علاقات متكافئة تقوم على المصالح المشتركة".
وأعرب عن ارتياح الدبلوماسية الروسية للتصريحات الإيجابية الصادرة عن الإدارة السورية الجديدة تجاه روسيا والحرص على العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مضيفًا أن موسكو ترى في هذه المواقف الإيجابية أرضية قوية للانطلاق نحو الأفضل.
بالتزامن مع حديث بوغدانوف، صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن روسيا لديها اتصالات يومية مع السلطات الجديدة في سوريا، وهي مستعدة للمساهمة في تحسين الوضع هناك.
وقال لافروف: "سفارتنا لم تغادر دمشق، ولديها اتصالات يومية مع السلطات هناك، ونريد أن نكون مفيدين في الجهود الرامية إلى تطبيع الوضع".
وأضاف: "نرغب في أن نكون ذوي فائدة في الأوضاع الراهنة، فيما يتعلق بإقامة حوار شامل بمشاركة كل القوى القومية والسياسية والطائفية، وبمشاركة جميع الأطراف الخارجية المعنية".
ما أبرز الاستثمارات؟
تعتبر الفوسفات، الثروة الأهم في سوريا حاليًّا، حيث احتلت سوريا المرتبة الخامسة عالميًّا في قائمة الدول المصدرة في العام 2010، لِما يتمتع به من مواصفات عالية وقادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ويقدّر الاحتياطي السوري المؤكد من الفوسفات بنحو ملياري طن، يوجد القسم الأكبر منها في مناجم "خنيفيس" و"الشرقية" في منطقة البادية السورية، والتي بلغ إجمالي إنتاجها في العام 2011 قرابة 3.5 مليون طن سنويًّا.
في نيسان من العام 2017، وقّع النظام السوري السابق عقدًا مع شركة "STN Glogestic" الروسية التي تتبع شركة "Soyuz Nefte Gaz"، ينص على صيانة مناجم الفوسفات وإعادة تأهيلها، ومن ثم قدّم النظام خدمات حماية الإنتاج ونقله إلى لبنان للتصدير، عبر ميليشيات من قواته، حيث بدأت الشركة عملها فعليًّا بعد شهرين من توقيع العقد.
وبحسب تقارير سورية، حصلت شركة "Story Trans Gaz"، بموجب عقد مع "المؤسسة العامة للجيولوجيا"، التابعة لوزارة النفط والثروة المعدنية، على حق استخراج الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر، لفترة 50 سنة وبحجم إنتاج 2.2 مليون طن سنويًّا، تبلغ الحصة السورية 30% من مجمل كمية الإنتاج.
عقود نفطية وغازية
في قطاع الإنتاج النفطي، وقّعت شركة "Evro Polis"، مذكرة تعاون مع وزارة النفط والثروة المعدنية التابعة للنظام السابق، مطلع العام 2017، ووفق بنود المذكرة، تلتزم الشركة بتحرير مناطق تضم آبارًا ومنشآت نفطية وحمايتها، مقابل حصولها على 25% من الإنتاج النفطي. ويذكر أن شركة "Evro Polis" التي كان يملكها يفغيني بريغوجين، قائد قوات فاغنر المعروفة، هي صاحبة هذا الامتياز.
قبل ذلك، في كانون الأول 2013، وقعت الحكومة السورية العقد الأول بعد بدء الأزمة مع شركة "سويوز نفت غاز" الروسية للتنقيب واستخراج الغاز للمرة الأولى في المياه السورية في المنطقة رقم 2 قبالة القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، حيث تحملت الشركة تكاليف الإنتاج في مساحة تجاوزت 2000 كم مربع، بحيث تُحسم التكاليف الإجمالية للمشروع من الإيرادات التي تحصل عليها الشركة والتي قُدِّرت بـ 20 في المئة، إضافة إلى مشروعين على الحدود البرية مع العراق وتركيا، وذلك لمدة 25 عامًا.
لاحقًا، في كانون الأول 2019، أقر مجلس الشعب السوري الموافقة على عقود جديدة مع شركتي "ميركوري" و"فيلادا" الروسيتين تشمل التنقيب والإنتاج في البلوكات رقم 7 و19 و23، في مساحة تقدّر بـ 11,690 كيلو مترًا مربعًا.
وفي عام 2020، وقع النظام السابق عقدًا آخر مع شركة "كابيتال المحدودة" الروسية للتنقيب عن النفط في البلوك البحري رقم 1 قبالة سواحل طرطوس وصولًا إلى الحدود البحرية مع لبنان، في مساحة تصل إلى 2,250 كيلو مترًا مربعًا ولمدة زمنية تتجاوز 30 عامًا.
إلى أين؟
وفقًا لخبراء اقتصاديين، فإنه "لا يوجد مؤشرات واضحة حتى الآن تدل على رغبة النظام الجديد في سوريا في تغيير أو إلغاء الاتفاقات المُبرمة مع الشركات الروسية"، لكن هذا الوضع لا يعني أنه لن تكون هناك مطالبات في المستقبل بإعادة النظر في تلك الاتفاقات.
الكاتب السياسي السوري مازن بلال، يوضح في هذا السياق، أن استثمارات حقول الغاز على الشواطئ السورية لم تتم المباشرة بها، أما باقي الحقول فكانت مهملة إلى حد بعيد، وحتى مسألة الفوسفات فإن العمل فيها كان بأسوأ حالاته.
ويرى بلال أن "مسألة الاستثمار الآن مؤجلة، فالوجود الروسي اليوم شكلي في سوريا، والحكومة الجديدة لم تصرح رسميًّا بالتزامها بالاتفاقيات السابقة، وهو ما يجعل أي استثمار روسي في مهب الريح."
لكن بعض الآراء تشير إلى أهمية الوضع القانوني للسلطة الجديدة، حيث توجد عقوبات مفروضة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على هيئة تحرير الشام وغيرها من المنظمات العسكرية"، وبالتالي فإن روسيا، بصفتها عضوًا في مجلس الأمن، تمتلك حق النقض (الفيتو)؛ ما يمنحها نفوذًا كبيرًا فيما يخص رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، بالإضافة إلى رفع اسم "هيئة تحرير الشام" من قوائم الإرهاب الدولية؛ ما يمكن أن يمثل "ورقة ضغط ستستخدمها روسيا للحفاظ على العقود النفطية الموقعة."
لكن بلال يعتقد أن مسألة الضغط على دمشق حاليًّا غير واردة لسببين: الأول أن مصالح روسيا باتت في موقع آخر، والثاني أن الهيئة لا تملك الشرعية لإقرار أي شيء.
ويشير الكاتب والسياسي السوري إلى أنه "لم يعد لروسيا مصالح واضحة في سوريا، فهي انسحبت بشكل مفاجئ لصالح تركيا وإسرائيل، وذلك لضمان علاقات متينة معهما في حال الضغط من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا".
ويعتقد بلال أن "من سيرث اي استثمار هو التركي، ورغم أن هذا الأمر سابق لأوانه لكن الواضح أن تركيا تنظر إلى سوريا كسوق وليس كمجال للاستثمار." وفق قوله.
كلمة السر.. تركيا
الخبير القانوني والاقتصادي السوري، عمار يوسف، توقع من جانبه أن تتحول عقود النفط والغاز والفوسفات التي وقعتها حكومات النظام السابق مع روسيا إلى دول أخرى، إن لم تُلغى أصلًا، خاصة في مجال الفوسفات التي لم يستفِد منها أحد سوى بشار الأسد وروسيا.
ويضيف أن روسيا لا إمكانية لديها لإتمام العمل فيها بعيدًا عن عمليات السرقة التي كانت تجري بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية، خاصة في مجال الفوسفات، كون أغلب تلك الاستثمارات عبارة عن مجموعة متهالكة وخاضعة للعقوبات ولا يمكن إنجاز أي مشاريع فيها في الوقت الحالي.
وفيما يتعلق بالإشارات التي ترسلها روسيا، يرى يوسف أن "رسائل الود مطلوبة خلال الفترة الحالية حتى تستقر دعائم الدولة في سوريا، خاصة أن روسيا دولة مركزية والوقت الآن ليس مناسبًا للعداوات، وربما تفكر موسكو باتقاء شر الإدارة الجديدة في سوريا."
من الناحية الجيوسياسية، يلفت الخبير الاقتصادي، إلى أنه "لا يمكن إغفال الدور التركي في مجمل ما يحصل في سوريا، وحتى بالنسبة إلى علاقة الإدارة الجديدة مع بقية الدول". وبالتالي، في حال قررت تركيا إكمال علاقتها مع روسيا فستستمر العلاقة بين روسيا والإدارة الجديدة، وأما في حال ساءت علاقات أنقرة بموسكو، فستنقطع كل حبال الود مع الإدارة السورية.
ويخلص الخبير عمار يوسف إلى أنه "لا يوجد أي شيء واضح في الفترة الحالية، ولا تزال خلفيات إزالة النظام السابق والتخلي عنه من قبل روسيا غير واضحة، وهل كان ذلك بتنسيق روسي - تركي؟
ويختم قائلًا: أعتقد أن الفترة المقبلة قد تكشف الكثير عن كواليس ما حصل عبر التفاهمات التي سنشهدها والعلاقات الجديدة التي ستنشأ والاتفاقات التي ستوقع.