سانا: انسحاب أول رتل لقسد من حلب تجاه شرق الفرات
أكد مقربون من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لـ "إرم نيوز" أن الوزير المكلف بتطوير الأداء الحكومي إيلون ماسك يقترب من مغادرة منصبه مطلع الشهر المقبل، بعد مشاركته في المرحلة الانتقالية، ومن بعد ذلك في فريق ترامب الحكومي منذ تسلمه السلطة في البيت الأبيض أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي.
وبصرف النظر عن الأسباب التي لم يذكرها المقربون والتي أدت إلى هذه النهاية المتوقعة على أكثر من صعيد، فإن هناك الكثير من الأسباب التي جعلت من نهاية العلاقة بين ماسك وإدارة ترامب أمرًا متوقعًا.
وذلك بالنظر إلى الثقل الكبير الذي باتت هذه العلاقة تشكله على عاتق الطرفين، إلى الدرجة التي لم يعد ممكنًا معها الاستمرار في علاقة التأييد المتبادل بين القوتين السياسية والتنفيذية للرئيس ترامب والمالية للملياردير ماسك.
يدرك الرئيس ترامب وفريقه المعاون جيدًا ذلك الدور الكبير الذي لعبه ماسك في مسار العودة إلى البيت الأبيض في وقت حساس من عمر الحملة الانتخابية، باعتباره القوة المالية الأولى التي وقفت خلف الرئيس السابق حينها ودعمته لتحقيق انتخابه والعودة إلى البيت الأبيض في سابقة لم تحدث سوى مرة واحدة في التاريخ الأمريكي قبل مئة عام، إلا أن ذلك على أهميته لم يكن هو كل شيء في موقف ماسك الداعم لترامب.
لعبت منصة إكس (تويتر سابقًا) دورًا مركزيًا في تلك المرحلة الحساسة عندما فتحت ذراعيها بعد رفع حالة الحظر التي كانت ممارسة ضد ترامب بصورة جعلت من المنصة الأكثر استعمالًا في العالم من بين مواقع التواصل الاجتماعي بصورة جعلت فكرة أن ترامب هو المنقذ الوحيد من أزمات البلاد المتعددة التي أوجدتها الإدارة السابقة تهيمن على المشهد الانتخابي بالكامل بالترويج لفكرة أنه لا خيار لدى الأمريكيين سوى إعادة الرئيس السابق إلى البيت الأبيض.
هذا الدعم اللامحدود من قبل منصة إكس صاحبه الانخراط الشخصي لماسك في الحملة وتقديم نفسه على أنه الصوت المحافظ الذي يسعى للمحافظة على قيم العائلة الأمريكية، وأن الخطاب الديمقراطي بما يقدمه من أجندات تحررية كاملة لا ينسجم بالمطلق مع قيم الأمريكيين العائلية المحافظة.
نجح ماسك في تحقيق غايته من دعم ترامب بتقديمه أكبر مساعدة مالية له بقيمة منح تجاوزت 250 مليون دولار، إضافة إلى منحة المليون دولار التي كان قد أطلقها في صورة عملية قرعة تمنح للناخبين المحليين في الولايات المتأرجحة.
كل هذا الزخم المتعدد الأوجه هو ما جعل ماسك يشكل نجم إدارة ترامب الانتقالية في مرحلة الإقامة العائلية للرئيس المنتخب وقتها بولاية فلوريدا قبل أن يتحول إلى صورة الصديق المقرب من الرئيس السابع والأربعين من خلال حضوره اللقاءات والاتصالات الضيقة، كما كان الحال مع الرئيس الأوكراني في بواكير مساعي ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى لقاء ماسك السري بالبعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، والدور الحاسم في اختيار واختبار الأعضاء المرشحين للمناصب القيادية في الإدارة الجديدة.
عندما وصل ترامب إلى العاصمة واشنطن كانت صورة ماسك هي المصاحبة لتلك العودة التاريخية لرئيس سابق غادر البيت الأبيض قبل أربع سنوات.
الملياردير الأشهر في الولايات المتحدة وصل واشنطن على وقع تصريحات ومهام كلف بها في الإدارة الجديدة جعلت منها مركز الأحاديث بين أروقة الوزارات والوكالات الفيدرالية.
كان ماسك واضحًا بتقديمه وعدًا لأنصار الرئيس ترامب خلال الحملة الانتخابية بأنه سوف يسعى إلى تقليص الإنفاق الحكومي الفيدرالي الأمريكي بحجم تريليونَي دولار، وأنه لا حيلة أمام الأمريكيين للحد من أزمة ارتفاع سقف الدين العام سوى من خلال تقليص مصادر الإنفاق الحكومي، ومن هنا جعل ماسك وفريقه المعاون استهداف المؤسسات الفيدرالية العاملة في العاصمة هدفًا رئيسًا لحملته.
لم يخل الأمر من صدامات قانونية وقضائية وإدارية فيما يشبه الزوبعة الهائلة التي ترتبت عن ذلك، ووراء ذلك أسباب عديدة لكن أهمها على الإطلاق أن ماسك لم يكن يجد التأييد في أروقة الكونغرس؛ بسبب الطريقة التي داهمت بها عناصره المؤسسات الفيدرالية ودخوله في صدام مفتوح قانونيًا بسبب كون المؤسسات التي استهدفها الرجل الأكثر ثراء في العالم كانت مؤسسة من قبل الكونغرس وبالتالي لا يمكن تقرير مصيرها الإداري والمالي بعيدًا عن موافقة هذه المؤسسة.
والأمر هذا ينطبق تمامًا على الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة التربية ووكالات أخرى عديدة.
أظهر ماسك بالطريقة التي تعامل بها مع المؤسسات الحكومية سوء تقدير ضاعف من حجم المخاوف المرتبطة بخططه لتطوير الأداء الحكومي.
ووجد الرئيس ترامب نفسه في كل مرة مضطرًا لإظهار الدعم الكامل لفريق ماسك، كما وجد نفسه أيضًا في مواجهة قانونية وقضائية على جميع مستويات المحاكم من محلية إلى فيدرالية إلى المحكمة العليا.
حظي ماسك بدعم كبير من قبل ترامب، لكن الأمر لم يكن كذلك على مستوى الفريق الحكومي لإدارة الرئيس، فالعلاقة بين ماسك ووزير الخارجية ماركو روبيو لم تكن جيدة بما فيه الكفاية، حيث ظهر سوء العلاقة بين الرجلين في صورة علنية خلال اجتماع للحكومة عندما رفض روبيو أسلوب تسريح ماسك لموظفي وزارته.
روبيو لم يكن الجهة الوحيدة التي عبرت عن استيائها من أسلوب وطريقة عمل ماسك، فكذلك كان الأمر من قبل كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي والز التي أصرت على وضع جدار فاصل بين ماسك والرئيس ترامب، ذلك لأنها تعتقد أن هناك طبيعة تخص المهام الرئاسية.
الأخبار السيئة عادة لا تأتي فرادى، ففي خضم الأزمات السياسية والقانونية التي خلفها وجود ماسك في البيت الأبيض ظهرت إلى السطح أزمة أخرى، هذه المرة لم يعد باستطاعة الملياردير الطامح لدور سياسي كبير في العاصمة واشنطن إخفاء قلقه العميق من تبعاتها.
الأمر هذه المرة ارتبط بمفخرته الشخصية وهي شركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية، حيث بدأت ملامح الأزمة بتسجيل تراجع كبير في مبيعات هذا النوع من السيارات الكهربائية وانحدار الإقبال عليها بين الأمريكيين إلى مستويات قياسية، وهو الأمر الذي أدى لاحقًا إلى هبوط حاد في سوق أسهمها في عمليات البورصة.
هذه الخسارة رافقتها حملة عداء واسعة استهدفت مستخدمي هذه السيارات من الأمريكيين العاديين إلى الحد الذي بات معه قيادة هذا النوع من السيارات في الطرق العامة يشكل مجلبة للعار والخطر لأصحابها بعد أن كانت مجلبة للفخر والاعتزاز وعلامة على التطور والتعامل مع روح المستقبل ودعم خطط حماية البيئة بدعم صناعة السيارات الكهربائية.
ومرة أخرى وجد الرئيس ترامب نفسه مضطرًا لإعلان دعمه لسيارة ماسك من خلال استعراض محاسنها في البيت الأبيض ودعوة الأمريكيين إلى اقتنائها، لكن الأمر حقق أهدافًا سياسية عكس تلك التي كان ترامب وماسك يرغبان فيها، حيث ازدادت نسبة العداء لتسلا وارتفعت الحرائق التي استهدفت مستودعاتها في مختلف جهات البلاد، وامتد الأمر إلى خارج الولايات المتحدة وتحديدًا إلى دول أوروبا، وهنا بات مستقل الشركة مهددًا أمام حجم المخاطر المتزايدة.
كانت هناك رسالة واضحة ومحددة من قبل المساهمين الكبار في شركة تسلا، وهي وضع ماسك أمام خيارين، إما التفرغ لمستقبله السياسي في العاصمة واشنطن، وإما التفرغ الكامل لإدارة أعمال الشركة. وفي حال عدم تفرغ ماسك فإن المساهمين ماضون في خطتهم لإقالته من رئاسة الشركة وبحث مستقبلها بعيدًا عنه.
كانت هذه أكبر أزمة يواجهها ماسك منذ أن اختار العمل برفقة ترامب لدعم أجندته السياسية، لذلك باتت هذه المواجهة غير محسوبة العواقب بالنسبة لماسك، خاصة بعد انخراطه في دعم أجندة اليمين المتطرف في دول أوروبا التي جعلت أكبر المتحمسين لدعم سيارات تسلا هم الأعداء الأكثر خصومة لهذا النوع من السيارات على خلفية العداء الذي أظهره ماسك لأجندة اليسار السياسية والبيئية بعد أن كانوا هم القاعدة الأكثر دعمًا وتشجيعًا وإقبالًا على اقتناء السيارات الكهربائية وجعلها عنوان المستقبل.
تراكمت الخسارات أمام الملياردير الأكبر، ووجد لحظتها أن الخيار الأفضل بالنسبة إليه هو العودة إلى إدارة مصالحه التجارية في شركاته الخاصة والتقليل من حجم الصدامات التي يخوضها في العاصمة واشنطن، خاصة أن فريق ترامب وجد نفسه في مواجهة أربع وسبعين متابعة قانونية من وراء سياسات ماسك المالية وفي قضايا تسريح موظفي الحكومة الفيدرالية، ولكن الأكثر خطرًا من كل ذلك هو مواجهة غضب شعبي كبير بات يهدد ثروته المالية ومستقبل عروس شركاته، تسلا لصناعة السيارات الكهربائية.