فون دير لاين: جاهزون للرد ونعد حزما إضافية من التدابير لحماية مصالحنا

logo
العالم العربي

سوريا بعد الأسد.. صعود أمريكي وانسحاب روسي

سوريا بعد الأسد.. صعود أمريكي وانسحاب روسي
قوات أمريكية بالقرب من حقول النفط في سوريا المصدر: أ ف ب
14 ديسمبر 2024، 7:43 م

بتقنية الشاشة المقسومة، يتضح التباين الكبير بين الوجود الأمريكي المتزايد في سوريا الجديدة وانسحاب روسيا التدريجي، مع تراجع دورها في المشهد.

حتى اللحظة الأخيرة من عمر النظام السوري في دمشق، كانت موسكو تسيطر على مجريات الأحداث، من خلال تأمين خروج بشار الأسد وإتمام الترتيبات النهائية في قصر العائلة، عبر قنوات تواصل مع الفصائل المسلحة والجار التركي.

أخبار ذات علاقة

بعد أنقرة.. دول أوروبية تستعد لإعادة فتح سفاراتها في دمشق

مرحلة جديدة في الشرق الأوسط

في سياق التغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة، أدركت  موسكو أن مرحلة جديدة بدأت في الشرق الأوسط، حيث دخل لاعبون جدد يحملون وجهات نظر مختلفة تمامًا عن المستقبل المحتمل لعلاقتهم مع الحليف التقليدي والتاريخي لدمشق، الذي كان منذ عهد الأسد الأب، الحامي والداعم الرئيسي لها.

هذه العلاقات التي تعززت على مر السنوات، وصلت إلى لحظة فارقة في تاريخ سوريا عندما شاركت موسكو في مساعدة الأسد الابن على الخروج من سوريا، واتخذت قرارًا استضافته كلاجئ في موسكو.

لقد مر تاريخ العلاقات الروسية  السورية بعدد من المحطات والتقلبات، لكنها في جميع هذه المراحل ظلت عائلة الأسد ترى في روسيا حليفًا استراتيجيًا يقدم لها الحماية الدولية التي تمكنها من التغطية على انتهاكاتها الداخلية، فضلاً عن ضمان غطاء سياسي ودبلوماسي في المجتمع الدولي. خاصةً في ظل الثنائية القطبية التي هيمنت على السياسة العالمية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كان للاتحاد السوفيتي، ومن ثم روسيا، دور كبير في دعم النظام السوري في مختلف الأزمات.

ورغم أن الأسد الابن حافظ على نفس المسار الذي سار عليه والده في العلاقة مع روسيا، إلا أن الضغوط المتزايدة التي واجهتها سوريا على مدار السنوات الثلاث عشرة الماضية دفعته إلى اتخاذ خطوات نوعية وتاريخية على صعيد تعزيز هذه العلاقة.

ففي ظل الظروف التي كانت تقتضي تدعيم موقعه في السلطة، وجد الأسد نفسه مضطرًا للقبول بتعزيز الوجود العسكري الروسي المباشر والدائم في الأراضي السورية.

توج هذا التحول التاريخي في العلاقات بتوقيع اتفاق بين موسكو ودمشق في عام 2017، والذي سمح لروسيا باستخدام قاعدتين عسكريتين في سوريا لمدة تسعة وأربعين عامًا، أي حتى عام 2066، مع إمكانية تجديد الاتفاق بشكل تلقائي لمدة خمسة وعشرين عامًا. هذا الاتفاق كان بمثابة خطوة مهمة نحو تعزيز النفوذ الروسي في سوريا، مما يعكس التغييرات الجذرية في السياسة السورية والعلاقات الدولية في المنطقة.

الخيار الاستراتيجي لعائلة الأسد

كانت تلك اللحظة تمثل خيارًا استراتيجيًا حاسمًا لعائلة الأسد، التي كانت بحاجة ماسة إلى دعم دولي في وقت كانت فيه علاقتها مع  واشنطن تشهد توترات مستمرة، ما جعلها تشعر بالعزلة في محيطها المباشر. جميع جيران سوريا، بما في ذلك العراق، كانوا يرتبطون بتحالفات أمنية واستراتيجية مع الولايات المتحدة، مما جعل النظام السوري يواجه عزلة دبلوماسية واقتصادية متزايدة.

منذ عام 2003، أصبح العراق نقطة محورية في الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، وتوسعت التحالفات الأمريكية مع بغداد حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية. كما أن العلاقة الأمريكية مع إسرائيل، الأردن، وتركيا (العضو في حلف الأطلسي) كانت تزداد رسوخًا، مما جعل سوريا في موقف صعب للغاية على الصعيد الإقليمي.

إضافة إلى ذلك، اضطرت سوريا إلى الانسحاب مكرهةً من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وهو ما زاد من عزلة النظام السوري.

تلك التحولات الإقليمية الكبرى دفعت عائلة الأسد إلى السعي لتعزيز الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، خاصة على الساحل السوري. جاء ذلك من خلال الاتفاق مع روسيا على إقامة قاعدتين عسكريتين في المنطقة، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى تحديث الوجود العسكري الروسي هناك، في مقابل الانتشار الأمريكي في الجزء الشرقي من سوريا وتحالفه مع الأكراد.

التحول في السياسة السورية

يقول مسؤولون في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما إن هذا التحول في السياسة السورية تم بموافقة أمريكية، في فترة كانت الولايات المتحدة خلالها تبتعد عن التدخل المباشر في سوريا بعد اندلاع الثورة ضد النظام الحاكم. كانت إدارة أوباما آنذاك تميل إلى إعادة النظر في استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وكذلك في أفغانستان.

نجح الأسد في استغلال هذا التحول الاستراتيجي ليكسب بعض الوقت أمام معارضيه، كما استفاد من الدعم العسكري الروسي الذي كان حاسمًا في تعديل ميزان القوى لصالح قواته ضد المعارضة المسلحة السورية. طوال أكثر من عقد من الزمن من الحرب، كان التدخل الروسي العامل الفارق في بقاء النظام.

لكن مع مرور الوقت، بدأ التقدير  الروسي يتغير، إذ خلصت موسكو في الأشهر الأخيرة إلى أن نظام الأسد فقد الكثير من شعبيته، وأن استعداد قواته للقتال أصبح في أدنى مستوياته.

وفي هذا السياق، أصبح الكرملين أكثر انفتاحًا على فكرة ترتيب "خروج آمن" للأسد من سوريا، ما قاد إلى الترتيب لرحلة جوية أخيرة له قبل أن يُغلق الستار على حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من نصف قرن.

في مقابلة تلفزيونية أجراها بشار الأسد قبل عام من سقوطه، قال إن بلاده تحسن اختيار أصدقائها، في إشارة إلى تحالفها مع روسيا وإيران. لكن الأحداث اللاحقة أثبتت أن هذا التحالف كان قصير النفس، خاصة عندما واجه متغيرات حاسمة على الأرض.

ما بعد السقوط

منذ سقوط نظام الأسد، أصبحت التصريحات الصادرة عن موسكو تركز بشكل أساسي على الترتيبات التي سبقت إخراج رأس النظام من دمشق، بالإضافة إلى تلك التي تم التنسيق لها مع المعارضة وتركيا، بهدف إنهاء الأزمة السورية بأقل الخسائر الممكنة وتجنيب البلاد حمام دم في حال استمرار المواجهات بين الأطراف المعنية.

وفي الوقت الذي كانت موسكو ترى فيه أنه لا أمل للنظام السابق في استعادة السيطرة على الوضع، حملت الساعات الأخيرة تطورات سريعة، حيث أظهرت الصور التي نقلتها الأقمار الصناعية والمواقع المتخصصة عمليات لتجميع القطع الحربية وشحنها على متن طائرات عسكرية من داخل القاعدتين العسكريتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس. هذا الأمر أعطى انطباعًا بأن القوات الروسية قد تكون بصدد التحضير للانسحاب من سوريا.

ورغم عدم وجود تأكيد رسمي لهذا التطور، إلا أن تسارع الأخبار دفع بمسؤولين روس إلى التأكيد على أن هناك المزيد من الرحلات الجوية التي سيتم تنظيمها لإخراج المزيد من المعدات العسكرية الروسية من القاعدتين في سوريا.

7d161e85-ed19-47e4-bc4c-5915cc32e316

لم يتوقف مسؤولو الكرملين طوال الأسبوع الأول الذي تلى سقوط نظام الأسد عن التأكيد على حرصهم على إقامة علاقة تواصل جيدة مع القيادات الجديدة في دمشق. وأوضحوا أن واحدة من أولوياتهم الرئيسية هي ضمان أمن وسلامة الجنود الروس العاملين في سوريا.

واشنطن... الانخراط المباشر

لا أحد في واشنطن، سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين، كان يرغب في التعامل مع النظام السوري السابق أو في استمرار حكم الرئيس السوري المخلوع ليوم إضافي. لكن التغيرات التي شهدتها سوريا في الأسابيع الثلاثة الماضية غيّرت بشكل كبير من وتيرة المعالجة الأميركية للملف السوري.

الرؤية الأمريكية تجاه سوريا على مدى العقد الماضي كانت تؤكد أنه لا حل سوى من خلال عملية سياسية شاملة تشمل كافة السوريين. وكان التعامل الأفضل مع النظام السابق يتمثل في فرض أقسى العقوبات عليه، ومنعه من الحصول على أي مصادر لتمويل عملياته العسكرية، مع التركيز على إضعاف حليفه الإقليمي الرئيس، إيران، وجعلها غير قادرة على دعم النظام السوري.

هذا التوجه تبناه كل من الديمقراطيين والجمهوريين، مع وجود خوف مشترك بين الطرفين، يتعلق بشكل البديل الذي يمكن أن يملأ الفراغ السياسي في دمشق.

2b8f4980-2d0b-4c64-9465-7b6bc5a8f807

أظهرت الفصائل المسلحة خلال تقدمها نحو دمشق خطابًا وسلوكًا كان مشجعًا للإدارة الأمريكية وللكونغرس على إعادة النظر في الأزمة السورية من زاوية جديدة.

الولايات المتحدة الآن تراهن على انخراط مباشر أكثر كثافة، من خلال إرسال كبار مسؤولي إدارة الرئيس جو بايدن إلى المنطقة، بهدف بحث صورة المرحلة الجديدة في سوريا ورسم ملامح رؤية أمريكية لمستقبل العلاقة مع دمشق. وقد أصبح هذا التوجه أكثر وضوحًا مع نهاية الأسبوع الأول للعهد الجديد في دمشق.

الأولويات الأمريكية

الأولويات الأمريكية الجديدة في دمشق تركز بشكل رئيسي على الأبعاد الأمنية، حيث تسعى الولايات المتحدة لضمان مكافحة داعش ومنع عودته، بالإضافة إلى التأكد من التزام المعارضة بعدم السماح للتنظيمات الإرهابية باستغلال الوضع الجديد.

كما تركز الأولويات أيضًا على ضمان أمن الجيران ومنع وصول الأسلحة النوعية والثقيلة إلى أيدٍ مجهولة، بالإضافة إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تقوم على احترام التنوع وحقوق النساء والأقليات.

bf647a2e-4b90-4d31-afc4-0f3640e22f69

نقاشات في الكونغرس 

في الوقت نفسه، يفتح نواب الكونغرس نقاشات على مستويين. الأول يتعلق بإمكانية التخفيف من حجم ونوع العقوبات التي فرضها قانون قيصر، وذلك بعد سقوط النظام في سوريا، مما قد يسمح للحكومة الجديدة بالحصول على مصادر تمويل لدعم المرحلة الانتقالية.

أما المستوى الثاني، فيتعلق ببحث مبادرات أمريكية نوعية، سواء من قبل البيت الأبيض أو الكونغرس، لتقديم المساعدات اللازمة للسوريين خلال المرحلة الانتقالية الجديدة. بالإضافة إلى دعوة الشركاء الإقليميين والأوروبيين لدعم السوريين في تأمين المساعدات المطلوبة لضمان نجاح تغيير النظام السياسي في البلاد.

أخبار ذات علاقة

خاص- الكونغرس الأمريكي يتجه لتعديل قانون "قيصر" لتخفيف العقوبات عن سوريا

 صدارة المشهد السياسي

كل هذه المؤشرات تعكس بوضوح رغبة الولايات المتحدة في العودة إلى صدارة المشهد السياسي في سوريا. كما تظهر أن الأهداف الأميركية لم تعد تقتصر على محاربة الإرهاب، سواء من خلال قواتها المنتشرة هناك أو بالتنسيق مع قوات "قسد"، بل تشمل أيضًا سلسلة من الجهود والاتصالات والحوارات التي تجريها مع شركائها المقربين في تركيا والأردن والعراق وقطر.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC
مركز الإشعارات